الجمعة، 5 فبراير 2010

حسن البنا .. الرجل والمنهج


ونحن نستحضر ذكراه في يوم استشهاده (12 فبراير) الحادي والستين، فإننا ندرك أن الرجل قد مضى إلى ربه راضيًا مرضيًّا، فقد اخترقت الرصاصات الغادرة ليلتها جسدًا أفناه السجود ليلاً بين يدي الله، وأضنته الرحلة في سبيل الله نهارًا في ربوع مصر وقراها، من أقصاها إلى أقصاها، أما الروح والمنهج والبناء الذي أرساه فقد بقي شامخًا، يزداد على مرِّ الزمان رسوخًا وتألقًا، وقد أعطاه الإمام الشهيد المؤسس من دمه الطاهر الزكيِّ وقودًا ومددًا لم ينقطع، بل استمرَّ المدد بدماء الشهداء ودموع الساجدين بين يدي الله، وأنَّات المعذبين في غياهب السجون، وتضرُّعات الملايين من السجناء وأسرهم إلى الله رب العالمين، وثبات الذين ضحَّوا بالغالي والنفيس في سبيل عقيدتهم وفكرتهم ومنهجهم ابتغاءَ رضوان الله رب العالمين؛ فالله غايتهم، والرسول صلى الله عليه وسلم قدوتهم، والجهاد سبيلهم، والشريعة منهجهم، والموت في سبيل الله أسمى أمانيهم، صدقوا الله فصدقهم الله.


هذا المنهج مرسومةٌ خطواتُه، محددةٌ معالمه، يستقي الحكمة من قول الحق تبارك وتعالى: @831;إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ@830; (الرعد: من الآية 11) وقوله تعالى: @831;ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ@830; (الأنفال: من الآية 53)، وقوله تعالى: @831;قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ@830; (آل عمران: من الآية 165)، وقوله تعالى: @831;وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ@830; (النحل: 112).








وقد أثبتت الأيام ووقائع الزمان منذ أكثر من قرن أن كل تجارب النهوض التي عاشتها الأمة وصلت إلى طريق مسدود، وأننا ما زلنا نبحث عن الاستقلال الحقيقي، والإرادة الحرة، والعدالة الناجزة، والعدل الاجتماعي، ودولة القانون، والحريات العامة، وتداول السلطة، التي يستمدُّها الحكام من الأمة في انتخابات حرة، رغم مرور عصور جرَّبت فيها الأمة حينًا الليبرالية، ومرةً الاشتراكية أو الشيوعية، ومراتٍ الانقلابات العسكرية، فجنينا الشوك والحصرم وعُدْنَا من حيث بدأنا..





ورغم كل ذلك فإن المؤتمرات والمؤامرات التي كانت تنعقد سرًّا خلال قرن من الزمان تنعقد الآن علنًا، جهارًا نهارًا، ويحضرها المسئولون من بني جلدتنا، المعيَّنون بأمر القوى الأجنبية؛ ليتآمروا على أبناء أمتهم، ويراهنوا على دعم الأجانب ضد شعوبهم، ويا للعجب!! مؤتمران في نفس اللحظة في لندن عاصمة الإمبراطورية التي ما زالت تمارس دور المحتل؛ الذي وإن رحلت قواته في مشهد خدَّر مشاعر الملايين فها هي تتآمر- رغم كل لجان التحقيق الشكلية التي لم تغنِ شيئًا- وتتواطأ وتأتمر بأمر قيادة العالم الجديد، عالم الظلم والطغيان والفساد، لإرسال المزيد من القوات وإنفاق المزيد من الأموال، لأي هدف ولأجل أي غرض، لا لشيء إلا لقطع الطريق على نهضة حقيقية في بلاد المسلمين، تتحقَّق بسواعد أبنائها، وتترسَّم خطى نبيِّها، وتسير على منهج إسلامها.


رغم كل الجرائم البشعة التي ما زالت تلك العصابة الإجرامية تمارسها ولن يكون آخرها اغتيال الشهيد "محمود عبد الرءوف المبحوح" في الإمارات العربية المتحدة على يد عملاء الموساد، الذين حضروا برفقة الوزير الصهيوني الذي دنَّس أرضًا عربيةً تحت عَلَم مؤتمر دولي، ويحملون جوازاتٍ أوروبيةً، ورغم عشرات القرارات الدولية؛ فإن العالم كله- ومعه المتخاذلون من قادة الأمة العربية والإسلامية- لا يستطيعون الوقوف في وجه ذلك الاحتلال، ولا يملكون حسابه على جرائمه البشعة، وآخرها استخدام الفوسفور الأبيض المحرَّم دوليًّا، والذي اعترف باستخدامه في حرب غزة منذ عام، بل يدعمونه بالمال والسلاح والعتاد والرجال، بل يؤمِّنون له سلامًا وأمنًا باتفاقيات وجدران، ويمنعون المقاومة الشجاعة من ممارسة حقها المشروع، بل يمارسون عليها كافة الضغوط ويستخدمونها ورقةً في المساومات.



فيا أيها الإخوان.. سيروا على بركة الله.. كونوا أوفياء لعهدكم مع الله.. ادرسوا كتاب الله لتتعلموا منه طريقكم المرسومة خطواته، وتحلَّقوا حول سيرة رسولكم صلى الله عليه وسلم لتعلموا أن منهجكم إنما هو التطبيق العصري العملي لسيرة نبيكم صلى الله عليه وسلم.
اعملوا.. واعملوا.. واعملوا.. ولا تيأسوا؛ فالمستقبل لدعوتكم، والنصر لأمتكم.. @831;وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ@830; (التوبة: من الآية 105) صدق الله العظيم.

هناك تعليق واحد: