الاثنين، 2 فبراير 2009

ثمن الحياة


بقلم: أحمد زهران


في الثاني من شهر مايو سنة 1864م جلس القاضي الإنجليزي في محكمة "إنباله" ومعه أربعة من وجهاء البلد؛ ليروا رأيهم في القضية التي اتُّهم فيها مجموعةٌ من المجاهدين (11 رجلاً) بالتآمر على الحكومة الإنجليزية في الهند، ومساعدة الثوار على حدود أفغانستان بالمال والرجال؛ مما جعل الإنجليز يغتاظون بشدة من المجاهدين.


وفي يوم صدور الحكم عليهم قال القاضي الإنجليزي الحاقد وهو يخاطب قائد المجموعة- واسمه جعفر-: "إنك يا جعفر رجلٌ عاقلٌ متعلمٌ، ولك معرفة حسنة بقانون الدولة، وأنت عمدة بلدك ومن سراته (سادته)، ولكنك بذلت عقلك وعلمك في المؤامرة على الحكومة، وكنت واسطةً في انتقال المال والرجال من الهند إلى مركز الثوار، وها أنا ذا أحكم عليك بالإعدام، ومصادرة جميع ما تملك من مال وعقار، ولا يُسلِّم جسدك بعد ذلك إلى ورثتك، ويُدفن في مقابر الأشقياء بكل مهانة، وسأكون سعيدًا مسرورًا حين أراك معلقًا مشنوقًا".




فما كان من المجاهد جعفر إلا أن ردَّ على القاضي الإنجليزي بكل وقارٍ واتزانٍ وهو متهلل الوجه مستبشر القلب: "إن الأرواح بيد الله تعالى؛ يحيي ويميت، وإنك أيها القاضي لا تملك حياةً أو موتًا، ولا تدري من السابق منا إلى منهل الموت"، وتعجَّب الإنجليز من هذا الجواب، فتقدم إليه الضابط الإنجليزي "بارسن" وقال له: "لم أرَ كاليوم، يُحكَم عليك بالإعدام، وأنت مسرور مستبشر؟!"، فقال له جعفر: "وما لي لا أفرح ولا أستبشر، وقد رزقني الله الشهادة في سبيله؟! وأنت مسكين لا تدري حلاوتها".



وقد حُكم على البعض بالإعدام، وحُكم على البعض الآخر بالنفي المؤبد، وعندما شعر الإنجليز أن المجاهدين فرحون بحكم الإعدام وينتظرونه بفارغ الصبر جُنَّ جنونهم، فدخل عليهم أحد قادتهم ذات يوم وقال لهم: "إنكم أيها الثوار تحبون الشنق، وتعدونه شهادةً في سبيل الله، ولا نريد أن نبلِّغكم أملكم، ونُدخل عليكم السرور؛ ولذلك نلغي حكم الإعدام، ونحكم عليكم بالنفي المؤبد إلى جزر سيلان".


وتم نُفي المجاهدين، وظلوا في منفاهم مدة ثماني عشرة سنة حتى أفرج عنهم سنة 1883م، وعاد جعفر ورفاقه إلى بلدهم، وقد هلك القاضي الإنجليزي الذي كان يتشفَّى في المجاهدين.


وكم هلك قضاةٌ جائرون، وحكامٌ ظالمون، وطغاةٌ متجبرون، وهم يحاولون عزل الشعب الفلسطيني عن العالم، عبر حصار قوي ظالم غاشم!!، وربما حدَّث خصومهم أنفسهم كل يوم بأن أهل غزة سيستسلمون ويندمون، ويفاوضون ويصالحون، وإذا بأهل غزة يرسلون رسالة إلى العالم أجمع: "إن الموت بكرامة ونحن خائفون أفضل من الحياة بذل ونحن آمنون".


توجيهات على الطريق


روى البخاري عن أنس بن مالك (رضي الله عنه) أنه قال: "لما طُعن حرام بن ملحان- وكان خاله- يوم بئر معونة فقال بالدم هكذا فنضحه على وجهه ورأسه ثم قال: فزت ورب الكعبة"، فأي فوزٍ حصل عليه ذلك الصحابي وقد أُزهقت روحه؟! إنه فوز الشهادة.. فوز صناعة الحياة.. فوز اختيار الميتة الشريفة.


يقول أحد تلاميذ الإمام البنا (رحمه الله): "سألت الإمام يومًا وأنا في صحبته إلى المنزل، فقلت له: يقول "الشاذلي" في بعض أدعيته وهو يسأل الله: "هب لنا الحكمة البالغة مع الحياة الطيبة والموتة المطهرة"، فماذا يقصد ب(الحياة الطيبة والموتة المطهرة)؟


فقال الإمام البنا (رحمه الله): "الحياة الطيبة هي حياة الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والموتة الطاهرة هي الشهادة"، ثم قال لي: "انصرف، وادع الله أن يرزقنا الحياة الطيبة والموتة الطاهرة، فلا نموت كما تموت الخِرفان، أو كما شبَّه خالد بن الوليد (رضي الله عنه) موتته على فراشه بأنه يموت كما يموت البعير".


ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) يعلِّمنا كيف نختار الميتة الشريفة؛ فعن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: "والذي نفسي بيده.. لولا أن رجالاً من المؤمنين لا تطيب أنفسهم بأن يتخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلَّفتُ عن سريةٍ تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده.. لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل" (رواه البخاري ومسلم).


وفي مقالٍ بعنوان (صناعة الموت) يقول الإمام البنا (رحمه الله): "أَجَلُّ صناعةٍ الموتُ؛ فالموتُ صناعةٌ من الصناعات؛ من الناس من يحسنُها فيعرف كيف يموت الموتة الكريمة، وكيف يختار لموتته الميدان الشريف والوقت المناسب، فيبيع القطرةَ من دمه بأغلى أثمانِها، ويربح بها ربحًا أعظم من كل ما يتصوَّر الناس، فيربح سعادة الحياة وثواب الآخرة، ولم تنقص من عمره ذرة، ولم يفقِد من حياته يومًا واحدًا، ولم يستعجل بذلك أجَلاً قد حدَّده الله.

ومن الناس جبناء أذِلة، جهلوا سرَّ هذه الصناعة، وغفلوا عن مزاياها وفضائلها، فمات كل واحد منهم في اليوم الواحد ألفَ موتةٍ ذليلةٍ، وبقي وموتاتُه هذه حتى وافته الموتةُ الكبرى ذليلةً كذلك، لا كرمَ معها ولا نُبلَ فيها، في ميدان خاملٍ خسيسٍ ضارعٍ، وقضى ولا ثمنَ له، وأهدرَ دمه ولا كرامةَ" (مجلة النذير، العدد 12، 2 من شعبان 1357ه= 1938م).


كما تحدَّث (رحمه الله) عن كيفية الحصول على الحياة العزيزة عن طريق الموت في سبيل الله فقال: "إن الأمة التي تحسن صناعة الموت وتعرف كيف تموت الموتة الشريفة يَهِبُ لها الله الحياةَ العزيزةَ في الدنيا والنعيمَ الخالدَ في الآخرة، وما الوهن الذي أذلَّنا إلا حبُّ الدنيا وكراهيةُ الموت، فأعِدوا أنفسكم لعمل عظيم، واحرصوا على الموت توهب لكم الحياة، واعلموا أن الموت لا بدَّ منه، وأنه لا يكون إلا مرةً واحدةً؛ فإن جعلتموها في سبيل الله كان ذلك ربحَ الدنيا وثوابَ الآخرة، وما يصيبكم إلا ما كتب الله لكم، وتدبَّروا جيدًا قول الله تبارك وتعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنْ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (آل عمران: 154)، فاعملوا للموتة الكريمة تظفَروا بالسعادة الكاملة، رزقنا الله وإياكم كرامة الاستشهاد في سبيله" (الرسائل، رسالة الجهاد).


إن الذين يُقدِّمون صدورهم ويقتحمون الميدان ويقاتلون اليهود ويقاومون المحتلين، إنما يشترون الحياة، وساء فهمه وخاب ظنه مَنْ حسب أن الحياة هي الدنيا بمتاعها الزائل وعمرها القصير، "وما أذل الناس وخفض رقابهم إلا حب الحياة والرغبة فيها دون قيدٍ أو شرط، قال الله تعالى عن اليهود: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ (البقرة: من الآية 96)، حياة هكذا!! أيًّا كانت، حتى ولو كانت حياة الذل والفقر والهوان والضعف والخمول!!، المهم عندهم أن يظلوا أحياءً.


والتنكير ها هنا في كلمة "حياة" هو للتحقير، ومن الطرائف التي تساق في هذا المجال: أنني سمعتُ زعيمًا لمنظمةٍ يعدونها منظمة للتحرير، تحرير الأرض، وتحرير الإنسان؛ سمعته يقول في إذاعة كبرى في يوم من الأيام وهو يمدح المؤمنين والمجاهدين والصابرين: وإنهم يحبون الموت كما تحبون الحياة، فيقول: قال الله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ (البقرة: من الآية 96)؛ يظن أن هذه الآية مدح، ولم يدرِ أنها ذم، ويظنها في المؤمنين، وما درى أنها في بني إسرائيل اليهود" (سلمان العودة، جزء من محاضرة صناعة الموت).


يقول الإمام البنا (رحمه الله): "عجيبٌ أن يكون ثمن الحياة هو حب الموت، ولا ثمنَ لها إلا هذا، ولهذا كان فيما أوصى به أبو بكر خالدًا (رضي الله عنهما) في بعض غزواته: "يا خالد.. احرص على الموت توهب لك الحياة".


والقرآن الكريم يقرر أن الفناء في الحق هو عين البقاء، وأن ذات الموت في سبيل الله هو حقيقة الحياة، فيقول: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170)﴾ (آل عمران).


وتأمَّل هذه الإشارة اللطيفة في الآيات الكريمة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمْ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (243) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)﴾ (البقرة).


لتعلم أن الموت ثمن الحياة، وأن حب الحياة نذير الموت، وأن الأمة التي تريد أن تعيش كلها لا بد أن تموت كلها؛ لأنها لم تدفع من دمها ضريبة الحياة.

وليس حب الموت ثمن الحياة وحدها، ولكنه ثمن الحياة وثمن النصر وثمن العزة وثمن الخلود، وهي أطيب ما في الحياة، وهذا قانونٌ لم يتخلَّف من قبل، ولا يتخلَّف اليوم، ولن يتخلَّفَ من بعد؛ لأنه سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلاً، ولن تجد لسنة الله تحويلاً.


لقد أدرك أسلافنا هذه الحقيقة، فحرصوا على الحياة الكريمة بالإقدام على الموت في ساحات البطولة والمجد، وكان أحدهم يندفع إلى القتال لا يبالي أَوَقَع على الموت أم وقع الموتُ عليه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران: 173) (مجلة الفتح، العدد 857، رجب 1367ه= 1948).


نماذج سامقة


تروي كتب التاريخ أن حممة الدوسي (رحمه الله) غزا مع أبي موسى الأشعري إلى أصبهان، فقام في الليل وصاح: "اللهم إن حممة يحب لقاءك.. اللهم إن كان صادقًا في ذلك فاعزم له بصدقه واقتله، وإن كان كاذبًا فاحمله على ذلك وإن كان كارهًا له، اللهم لا ترجعني من سفري" قال: فأخذه شيء في بطنه فمات بأصبهان، فقام قائد الجيش أبو موسى الأشعري (رضي الله عنه) يقول للجنود: "يا أيها الناس.. إنه والله ما سمعنا من نبيكم ولا بلغ علمنا إلا أن حممة شهيدٌ في سبيل الله تعالى".


وهذا عتبة بن أبان البصري؛ بات ذات يوم عند رباح القيسي، قال: فسمعته في الليل ساجدًا يبكي ويقول: اللهم احشر عتبة في حواصل الطير وبطون السباع.


يقول شاعر الخوارج الطِرماح بن الحكيم (ت 125هـ):


ولكن قبري بطن نسرٍ مقيلُه بجو السماء في نسورٍ عواكفِ


وأمسي شهيدًا ثاويًا في عصابةٍ يصابون في فجٍّ من الأرض خائف


فوارس من شتّى يؤلّف بينهم تُقى الله نزَّالون عند التزاحفِ


إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى وصاروا إلى ميعاد ما في المصاحف


وهذا عبد الله بن المبارك يخرج إلى الشام غازيًا في سبيل الله تعالى، فلمَّا رأى ما فيه القوم من التعبُّد والغزو والجهاد وارتفاع المعنويات والإيمان، وكل يوم بعث أو سرية أو قتال، التفت إلى من حوله، وقد أخذته نشوة ووجدٌ وعَجَبٌ ودهشةٌ لهذه الحال الجديدة، فقال: "إنا لله وإنا إليه راجعون على أعمارٍ أفنيناها وأيامٍ قطعناها في علم الخلية والبرية، وتركنا أبواب الجنة مفتوحة ها هنا"، وقد كتب بعد ذلك إلى الفضيل بن عياض المتعبِّد في الحرم، يعاتبه ويقول:


يا عابدَ الحرمينِ لوْ أبصرتنا لَعَلِمتَ أنَّك فَي العِبَادَة ِتَلْعَبُ


منْ كانَ يخضبُ جيدهُ بدموعِه فَنُحورُنَا بِدِمَائنَا تَتَخَضَّبُ


أوْ كانَ يُتعبُ خيلهُ في باطلِ فخيولُنا يومَ الصبيحة ِتَتعبُ


ريحُ العَبِيرِ لَكُمْ وَنَحنُ عَبِيرُنَا وهجُ السنابِكِ والغبارُ الأطيبُ


ولقدْ أتانَا منْ مقالِ نَبينَا قَولٌ صَحِيحٌ صَادِقٌ لا يَكْذِبُ


لا يَستَوي وغُبَارُ خَيِل الله فِي أنْفِ امرِئ وَدُخَانُ نَارٍ تُلْهَبُ


هَذَا كَتَابُ الله يَنْطِق بَيْنَنَا لَيْسَ الشَّهِيدُ بِمَيِّتٍ لاَ يَكْذبُ


إن الموت يسري على الجميع، فاختر لنفسك ميتة كريمة؛ فالأمة التي لا تجيد صناعة الموت لا توهب لها حياة كريمة؛ فالحياة علَّمتنا أن العزة والكرامة لا تقدَّمان على أطباق من ذهب، وإنما تُؤخذان أخذًا وتُنزعان انتزاعًا.


تروي كتب التاريخ أن معاوية بن خديج (رضي الله عنه)، جاء يبشِّر عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) بفتح بلاد الإسكندرية في وقت القيلولة؛ فهمَّ أن يطرق الباب، ثم تركه وذهب إلى المسجد، فعلم عمر فقال: أين معاوية؟ ألم أسمع أنه قدم؟ قالوا: بلى هو في المسجد قال: علي به.


فلما جاءه قال له عمر: مالك يا ابن خديج؟ قال: يا أمير المؤمنين.. ظننت أنك قائل- أي ظننت أنك نائم- فضحك عمر وقال: هيهات! إن نمت بالنهار ضيَّعت رعيتي، وإن نمتُ في الليل ضيعت نفسي..


لا يطعم النوم إلا ريث يحفّزه هَمٌّ يكاد حشاه يحطم الضلعا


ورحم الله عز الدين القسام عندما قال في خطبته الشهيرة: "يريدون أن يأخذوا منك دينك ومالك وعرضك وبلدك ويجعلوك بلا شيء، أسيرًا بين أيديهم، خادمًا ذليلاً مطيعًا لهم؛ فعليك أن تغضب لربك ودينك؛ فإن لم تفعل فعليك أن تغضب لأمتك ولنفسك ولمستقبلك ولتاريخك".


ولله در القائل:


من يَهُن يسهل الهوان عليه ما لجرحٍ بميّتٍ إيلام


بارك الله في المجاهدين المخلصين في غزة الحبيبة الذين ذكرونا بهذه النماذج الفريدة والمعاني العظيمة، وأعطوا أروع الأمثلة لكيفية صناعة الحياة الكريمة.

--------


* داعية وصحفي مصري.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق